حاولت مرارا أن أدلي برأيي في طبيعة مواضيع الإمتحانات الإشهادية لمادة الرياضيات. لكن كلما بادرت إلى ذلك يخبو حماسي وينكسر. لأن أسئلة أخرى أكثر أهمية يجب أن تثار، وأساسيات ومداخل ضرورية يجب الإنطلاق منها ومساءلة واقع المنظومة التربوية بشأنها.
بناءا على ملاحظاتي وتجربتي في الميدان بخصوص تنزيل تعلمات مادة الرياضيات وتقويم المتعلمين فيها وعملية إجراء هذه الإمتحانات، وغياب الإبتكار والتجديد لدى المتدخلين في عملية التقويم، الذين يتميزون بمقاومتهم الشرسة للتغيير ومحافظين على نمطية هذه الإختبارات والفاعلين فيها دوما إلى درجة تثير الكثير من الاستفهام، في ظل الشعارات الجديدة حول تجويد التعلمات وجعل المتعلم في مركز هذه العملية التعليمية التعلمية التي تتوخى اكتساب قدرات ومهارات في المعارف وفي حل المشكلات وفي الحياة اليومية بصفة عامة. حيث أصبح الجميع في العالم اليوم من تربويين وقائمين على السياسات التعليمية يسائلون دور المدرسة برمتها ويتحدثون عن مهارات القرن الحادي والعشرين والمهارات الحياتية الضرورية لولوج سوق الشغل والاندماج في المجتمع وبنائه ونشر القيم الإيجابية.
تفاعلا مع كل هذه الإشكالات الحارقة، رأيت أنه من الصعب علي تحليل أسئلة الامتحان ومدى استجابتها للمعايير الواردة في الأطر المرجعية. لسببين رئيسيين: أولهما مقاومة التغيير وسياسة الأذن الصماء عند القائمين على هذه الامتحانات. وثانيا لأن هذه الأسئلة مملة ورتيبة ولا جدوى منها. وبدل ذلك طرحت هذا السؤال الذي أراه أساسيا:
لماذا الامتحانات؟
طرحت هذا السؤال كذلك لعدم أهمية تقييم موضوع الامتحان أصلا. لأنه مهمل في الواقع وغير مؤثر إذا لم نثر متغيرات أخرى أساسية وأكثر وزنا في نتائج المتعلمين وفي تكافؤ الفرص. كيف نناقش سؤالا بربع نقطة ويأخذ منا جهدا ونغفل أمورا كبيرة تجعل المتعلم يحصل على نتيجة متميزة بنقرة في الزر.
نقلا عن المؤلف سايمون سينك، “ابدأ ب لماذا”. ما هو الهدف من التعليم ولماذا لا نزال نستخدم الامتحانات لمحاولة تقييم قدرات المتعلمين؟ الامتحانات في رأيي لا تقيم القدرات، فهي تقدم فقط لمحة سريعة عن المعرفة التي كان الفرد قادرا على الاحتفاظ بها في تلك النقطة الزمنية المحددة.
تعتبر الامتحانات من الماضي، وهي عملية أثرية للتمييز بين أولئك الذين – وفقا لتعريف القرن التاسع عشر – لديهم القدرة الفطرية على الاحتفاظ بالمعلومات اللازمة للتقدم في الأسلاك التعليمية وأولئك الذين كانوا أكثر ملاءمة ‘’للعمل ‘’.
في عصر التعلم الآلي، حيث نقف على أعتاب القوة الشاملة للذكاء الاصطناعي، لماذا نستمر في تثقيف وتقييم عقول الغد من خلال العمليات القديمة في الماضي؟
قبل الإنترنت، كانت القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات وتطبيقها حرفيا أمرا ضروريا. اليوم، هذه “المعرفة” على بعد نقرة واحدة. في ماذا ستفيد دراسة دالة علما أن ملايين التطبيقات تقدم منحنياتها في رمشة عين؟ إذا كانت الاختبارات تقيم المعلومات المحتجزة في المقام الأول، فما مدى صلة هذه المهارة بمتعلمي اليوم؟
يمكننا أن نجادل بأن توصيف الاختبارات على أنها القدرة على استرجاع الحقائق هو تبسيط مفرط، وأن الاختبارات توفر وسيلة لتقييم التفكير النقدي والقدرة على فهم وتطبيق المعرفة في وضعية معينة. لكن اختباراتنا دأبت منذ زمن بعيد على استبعاد هذه الوضعيات وركزت على وسائل حل المشكلات: حل المعادلة، المتراجحة، أحسب النهايات، بين أنها قابلة للاشتقاق، كم عدد السحبات الممكنة، …. ولا ترقى إلى المهارات الفعلية التي لها علاقة بحل وضعية مستقاة من الواقع المعاش. وحتى إن كانت هذه الإمتحانات تقيم هذه المهارات الحقيقية فإن ذلك حتما لن يتحقق بالنسبة لغالبية المترشحين.
في جانب آخر، علينا أن نعترف أن غالبية المدرسين يلجؤون إلى تعليم التلاميذ كيفية اجتياز الامتحانات بقدر تركيزهم على التعلم: يخيم الامتحان وفروض المراقبة المستمرة في جل الأنشطة المقدمة في الفصل ‘’وخارجه’’. هذه النمطية والساعات الإضافية تفرغ تعلمات الرياضيات من أهميتها وجدواها وأهدافها وتحرم المتعلمين وخاصة الموهوبين من تعليم ذي جودة.
يجب أن نعترف أن الإمتحانات أضحت صناعة مدرة وبالتالي أصبح القائمون عليها من الإنجاز إلى الاجراء مقاومون للابتكار والتجديد وتكافؤ الفرص.
بعد كل هذا، أليس جدال المفتشين في المستويات المهارية وطبيعة الأسئلة … الخ مملا وتافها.
نضع جانبا “لماذا؟” في الوقت الحالي، دعونا نفكر في “ماذا؟”: ما الذي علينا فعله كمفتشين وكفاعلين تربويين؟ نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في عملية التقويم برمتها، لتلبية الاحتياجات التعليمية للمتعلمين في القرن الحادي والعشرين، والاستفادة من إمكاناتهم المجهولة وغير المعروفة.
لماذا الامتحانات معيبة؟ لا تعكس نتائج الامتحان التقدم الذي أحرزه المتعلم، وقدرته على العمل مع الآخرين، وقدرته على طرح الأسئلة، ووجدانه، وشخصيته. هل يكفي أن يتذكر المتعلم مبرهنة فيتاغورس ويطبقها في مثلث قائم روتيني؟ أم أنه سيكون من الأفضل تقييم قدرته على التحليل والمناقشة مع الآخرين وفي ماذا تفيد هذه المبرهنة وما إذا كانت مهمة بالفعل؟
الامتحانات هي طريقة للحصول على نقطة. بالنسبة للعديد من المتعلمين، يقلل هذا النظام من قيمة المهارات التي طوروها لتحقيق تلك النقطة واعتبرها مجرد وسيلة لتحقيق غاية. والحقيقة هي أن هذه المهارات التي راكموها ولم تخضع للتقييم هي رأسمالهم الحقيقي، وليس العلامة التي حققوها.
عندما يذهب المتعلمون إلى خارج المؤسسات التعليمية، لا يتم التغلب على التحديات التي يواجهونها في حياتهم ومهنهم وعلاقاتهم من خلال مقال مكتوب في صمت أو من خلال حلهم لمئات من التمارين الرياضية الرتيبة. يتطلب النجاح في العالم الحقيقي الرؤية وحل المشكلات والتطبيق العملي والواقعية والتواصل والتسوية والعمل الجماعي والتمتع بقيم ايجابية. هذه أشياء يمكن تعلمها وتقييمها بشكل أفضل خارج نسق الامتحان القديم.
لذا، بالعودة إلى السؤال “لماذا؟”: لماذا لا يمكننا إنشاء بديل يزيل الامتحانات كليا، ولكنه يسمح للمتعلمين باكتساب المهارات ذات القيمة الكبيرة في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين؟
لماذا لا يمكننا التوقف عن محاولة تحويل عقول المتعلمين إلى محركات أقراص صلبة مليئة بمعلومات الامتحانات الرتيبة، وبدلا من ذلك نستخدم التكنولوجيا والتعلم القائم على المشاريع لمساعدتهم على النمو بالسرعة التي تناسبهم وتحقيق أقصى استفادة من إمكاناتهم؟
ندرك أن التعليم سيكون إلى الأبد كرة قدم سياسية. ولكن، يجب ألا نشارك في إنشاء السحابة التي تحجب عنا حقائق إجراء الامتحانات ومضمون مواضيعها وزيف إحصائيات نتائجها. آمل أن نتشارك جميعا في الرغبة في أن يكون التعليم الذي نقدمه مفيدا حقا لتلامذتنا، وبالتالي لمجتمعنا.
لقد اخترت السؤال لماذا؟ ايمانا مني بأن عصر التكنولوجيا الرقمية يتجاوز طريقتنا التقليدية في التعليم والتقويم وأصبح يفضح بما لا يدع مجالا للشك سير إجراء امتحاناتنا الاشهادية ومدى تدهور القيم الإيجابية التي تنشدها المنظومة التربوية ببلادنا.
نحتاج إلى جيل جديد من المبتكرين والمفكرين النقديين. وليس للمحافظين الجدد المقاومين للتجديد والابداع.