المدرسة كانت تصنع الإنسان. هذه كانت الخرافة التي صدقناها ونحن نحمل محافظنا ونجر أحلامنا الصغيرة على المسالك الوعرة. كبرنا لنكتشف أن المدرسة اليوم تصنع أشياء أخرى: تصنع صفقات، تصنع شبكات، تصنع الماستر على المقاس، مقابل الملايير وعلاقات نافذة.
منذ متى بدأ هذا؟ لا أحد يعرف بالتحديد. ربما حين قرر أحدهم أن التعليم ليس حقا، بل خدمة، وأن الأستاذ ليس مربيا، بل موظفا عليه أن ينجز برنامجه ثم يرحل مثل ساعي البريد. وربما حين قرر آخر أن الجودة هي عدد الخريجين لا مستواهم، وأن الجامعة لا تزرع الوعي بل توزع شواهد مثل بطائق الانخراط في ناد للركض الجماعي نحو العطالة.
ظهرت شبكة تبيع شهادات الماستر. يا للدهشة. وكأننا لم نكن نعلم. كل شيء في هذا البلد قابل للبيع، من المقاعد الأمامية في الفصول، إلى الأسئلة الامتحانية، إلى التوصيات الموقعة بحبر النفاق الأكاديمي. الجديد فقط أن هذه الشبكة كانت قليلة الذوق ولم تحسن التخفي، فظهرت إلى العلن، عكس غيرها من الشبكات التي تعمل في الظل، بأخلاق المافيا وابتسامة المسؤولين.
لكن لنكن منصفين: هذه الحادثة ليست كل المشكلة، إنها فقط العرض، أما المرض فهو شيء أعمق. إنه مرض بدأ منذ خوصصة العقل، منذ أن تم تفكيك المدرسة العمومية كما يتم تفكيك سيارة قديمة وبيع قطعها في سوق الخردة.
اليوم، التعليم ليس مشروعا وطنيا، بل صفقة استثمار. من يضع المال يدخل، ومن لا يملك، يخرج ليتظاهر في الشارع وهو يلوح بشهادة لا تفتح بابا ولا تقنع مسؤولا. أما الأستاذ، فإما صامت لأنه تعب، أو صامت لأنه يقبض، أو صامت لأنه ينتظر دوره في الشبكة.
نحن لا نعمم طبعا. في البلد ما زالت هناك جيوب مقاومة. أساتذة شرفاء، طلبة مجتهدون، جامعات تحاول التنفس رغم الأكسجين الفاسد. لكن هذه الجيوب محاصرة. محاصرة بالرداءة، بالزبونية، بالتقارير الجاهزة التي تقيس التعليم بعدد أجهزة العرض، لا بعدد العقول التي اشتعلت.
في الماضي، كان من ينقل جواب زميل له في الامتحان، يشعر بالعار. اليوم، من يشتري شهادة ماستر ينشرها على فيسبوك ويكتب: الحمد لله، بتوفيق من الله ومجهوداتي الجبارة. ونصف الشعب يضغط على زر الإعجاب، بينما النصف الآخر يتصل ليسأل: كم دفعت؟ وهل لازال العرض قائما؟
نحن في زمن لم يعد فيه للمدرسة دور في بث القيم. القيم الآن يشرحها مؤثر على تيك توك يضع نظارات فاخرة ويتحدث عن كيف تصبح ناجحا دون أن تدرس. والنجاح أصبح مرادفا للربح، لا للفهم، للظهور لا للمعرفة.
ومن يدير المؤسسات؟ غرباء. لا علاقة لهم بالتعليم إلا من خلال السيرة الذاتية التي كتبها لهم موظف مكتبي مقابل وجبة غذاء. هؤلاء لا يعرفون معنى “الرسالة التربوية”، يعرفون فقط “المردودية”، “الحكامة”، و”الشراكة مع الفاعلين”. مصطلحات جميلة لكنها فارغة مثل أغلفة الشوكولاطة الرخيصة.
المصيبة أن لا أحد يحاسب أحدا. ربط المسؤولية بالمحاسبة في هذا البلد يشبه ربط الحذاء بخيط الهاتف. لا علاقة. الوزير يبتسم، العميد يوقع، والطالب يدفع. أما من يسأل: فيُتهم بالسلبية أو بالرغبة في التشويش على “المسار الإصلاحي”.
لكن، رغم كل هذا، لن نقول إن التعليم انتهى. نحن فقط نراه يحتضر أمامنا ببطء، كما تحتضر مسرحية كوميدية أصر الممثلون فيها على نسيان النص. الأمل موجود. مازال هناك من يحارب. ما زالت هناك قاعات تنبعث منها رائحة الطباشير النظيف، وما زال بعض الطلبة يقرأون من أجل الفهم لا من أجل النقطة.
لكن الأمل يحتاج إلى من يرويه. يحتاج إلى إعلام لا يركض وراء الإثارة بل يحفر في الجذور. نريد من الإعلام أن يسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ من سمح لهذا العبث أن يصبح عاديا؟ لماذا لا يحاسب أحد؟ ومتى ستعود المدرسة لتكون مدرسة؟
حتى ذلك الحين، نوصي من يريد شهادة ماستر أن يسلك أقصر الطرق: يتوجه مباشرة إلى أقرب شبكة، يختار العرض المناسب، ويحصل على الورقة. أما من لا يملك المال، فيكفيه شرف المحاولة. ولينتظر، فقد تظهر قريبا شبكات تقدم شهادات بالتقسيط.
وفي كل الأحوال، لا تنسوا الضغط على زر الإعجاب. فالعلم نور… والجهل تجارة مربحة.