قُرع الجرس في “النقابة”، “الممثل السامي والوحيد للمفتشين” . لم تكن حصة، بل بلاغ.
بلاغ لا يبدأ باسم العقل، ولا ينتهي بصدق المنطق، بل ينزل على رؤوس المتتبعين كصاعقة بيروقراطية، مكتوب بلغة لا تُفهم، وإن فُهمت فلا تُفسَّر، وإن فسِّرت فلا تُبرَّر.
وكتب البلاغ، كأنما كُتب في ديرٍ تربويّ، من طرف قديس لا يريد أن نرتقي إلى مستواه الروحي في الفهم:
“قررت النقابة، بكل مسؤولية، تعليق الاحتجاجات المقررة، في إطار تتبع تطورات الملف…”
ما هذه التطورات؟
لا أحد يدري.
هل الوزارة اعتذرت؟ هل تم التراجع عن القرارات؟ هل انحنت الدولة احترامًا للبيان السابق؟
صمت. صمت بلاغيّ فاضح.
هل من المعقول أن نخاطب أمة تقرأ بهذه الطريقة الغامضة كأنها لا تقرأ؟
كأننا حشد من المتعلمين بلا دماغ، نكتفي بهزّ الرأس كلما قيل: “بلاغ صادر عن هيئة…”
لقد صار الذكاء شيئًا مُحرجًا عند قراءة هذه البيانات؛
فالذكي يسأل: لماذا؟
والبلاغ يرد: “في إطار الدينامية النضالية…”
كأن الدينامية نفسها عقيدة لا تُناقش، وليس فعلاً له سياق.
ثم نُعيد التمرين مع بيان سابق:
“تقرر مقاطعة تكوينات الريادة.”
جميل. ثورة؟ لا…
لا تفسير. لا تحليل. لا عرض للنقاط. لا حتى استعارة ضعيفة.
فقط إعلان بلا أفق، كأنما خُلق البلاغ ليُنسى في اللحظة التي يُقرأ فيها.
أيها السادة في النقابة،
إذا كان البلاغ كائنًا حيًا، فبلاغكم مات عند السطر الثالث.
وإذا كان وسيلة نضال، فوسيلتكم تُشبه استخدام قلم رصاص للكتابة على الماء.
أتعرفون ما هو أسوأ من البلاغ الغامض؟
بلاغ يتعامل مع القارئ كأنه لا يستحق الفهم.
كأنكم تخاطبون قطيعًا من التربويين المصابين بفقر دم ذهني، يكفيه أن يرى الشعار، والختم ، وتلك العناوين الحمراء وبعض الكلمات مثل الحكامة، والالتزام، والإطار المرجعي، ليشعر أنه حضر الثورة.
أيها السادة…
الغموض ليس استراتيجية.
والتكتم ليس حنكة.
وتبخيس ذكاء المتتبعين ليس نضالاً… بل إهانة أنيقة مغلفة بالمصطلحات.
من كثرة ما أصبحوا يحتقرون ذكاءنا، صرنا نشك في قدرتنا على الفهم… حتى نجد أنفسنا نقرأ البلاغ، ثم نذهب إلى المرآة ونسألها:
قولي لي يا مرآتي، هل أنا حقًا غبي، أم أن البلاغ هو من ينتمي لفصيلة الغموض المقدّس؟