ركبت ظهر الشبكة كما يركب الفارس بغلة ميتة، تنفث السم وتلهث بالفضيحة.
هناك، صادفت زمرة بائسة من المفتشين التربويين، كانوا ليكونوا رموزا لقيم النبل لو لم يختاروا أن يتسكعوا في الأزقة المعتمة للوسائط.
أناس كان ينتظر منهم أن يطهروا الساحة، فإذا بهم يغرقونها بالمزيد من العفن.
يجتمعون كما الكلاب حول جيفة، ينبح أحدهم، فيتبعه الآخرون، وكأن صوت أحدهم ينبت للآخرين ألسنة.
ينتقدون الامتحانات الجهوية لا باسم المصلحة العامة، بل دفاعا عن مؤسسات خاصة يشتغلون فيها سرا ويحمونها علنا.
منشوراتهم تفيض غيظا، تعليقاتهم تقطر حقدا، لغتهم ركيكة تعكس قصر باعهم، وسذاجتهم تفضحهم قبل أن يفعل مضمون كلامهم.
يحرضون على التشديد في التصحيح، لا طلبا للعدالة، بل رغبة في إشعال احتجاج مصطنع، يخفي نواياهم الحقيقية خلف أقنعة مزيفة.
منصات التواصل عندهم ليست فضاء للتفكير، بل مستنقعا للرداءة، وأداة لتفريغ الأحقاد المكبوتة.
يتكلمون كأنهم أوصياء على التربية، وهم أول من خذلها، يصرخون بشعارات عن النزاهة، وهم في قرارة أنفسهم تجار حسابات ضيقة.
بعضهم لا زال يحمل ندوب الترتيب الأخير في فصول الدراسة، ثم صعد من باب الصدفة إلى منصب الإشراف، فظن أنه أصبح من الكبار،
وهو لا يزال يعيش بعقلية التلميذ الذي لم يصفق له أحد.
ينتقدون المواضيع التربوية دون حجج، كأنهم سكارى تهذي،
تغيب عنهم المعايير البيداغوجية، ويخونهم المنطق، ويقودهم الحقد الأيديولوجي.
يصوغون منشورات هجومية، يتخفون بأسماء مستعارة، يوزعونها كما توزع النشرات في سوق مكتظ بالأميين.
الغريب أن من يدعي الدفاع عن المتعلم، هو أول من يسعى إلى الإضرار به،
ومن يرفع راية الكفاءة، يستشيط غيظا حين يراها في غيره،
ومن يصرخ ضد الظلم، يمارسه في تصحيح الأوراق.
في تعبيراتهم المرتبكة تظهر خلفياتهم، فبعضهم يغلف حقده بعبارات إيديولوجية بائدة، وآخرون يقتبسون أدبيات متعصبة،
لكنها جميعا تتكسر على صخرة الجهل بالأسس التربوية، وتنهار عند أول سؤال منطقي.
هم خصوم التميز، أعداء النجاح، دعاة الشكوى، ومتسولو التعاطف،
يجترون عواطفهم ويقذفون بها في وجوه زملائهم،
ويدعون الموضوعية وهم لا يعرفون كيف تكتب،
ويسخرون من الامتحانات، وهم أعجز عن اجتيازها.
إن تناقضاتهم لا تحتاج تأويلا؛ فهم يهاجمون باسم القيم، ويخونونها في ذات اللحظة،
يتظاهرون بالغيرة على المنظومة، ويغرزون خناجرهم في خاصرتها،
يوهمون الناس بأنهم مقاومون، وهم تجار مواقف بلا شرف.
لم يأت نقدهم من حب المعرفة، بل من كراهيةٍ عميقة للآخر الناجح.
لم يتحركوا دفاعا عن المتعلم، بل لهدم ما لم يبنوه.
أراهم في كل منشور كخفافيش تفر من الضوء،
وفي كل تعليق كذئاب تعوي في العراء،
وفي كل “لايك” كمتسولين للموقف لا للفكرة.
أيها المفتشون
عودوا إلى دفاتركم القديمة، فتشوا فيها عن خيباتكم،
تذكروا ترتيبكم في الصف الأخير،
تذكروا كم مرة هربتم من امتحان صعب،
وكم مرة مررتم من الثغرات لا من الجدارة.
كفوا عن دغدغة العواطف المريضة،
كفوا عن تغذية الحقد التربوي،
فالمهنة التي تسخرونها لأهوائكم،
لن تغفر لكم هذا العار.
أنتم الآن تمارسون أقسى أنواع العبث المهني،
باسم الدفاع عن المنظومة، تدمرونها،
وباسم محاربة الرداءة، تروجون لها.
لكن لا بأس، فالزمن لا يرحم الكذب الطويل،
وسيقف امتحان آخر، ليكشف من أنتم.
وسيعرف الجميع
أن ما تصرخون به اليوم،
هو نباح خوف
لا صوت شجاعة.
تنويه ضروري:
ليس المقصود بكلمة “مفتش” في هذا النص كل من ينتمي إلى هذا الإطار التربوي النبيل، بل يراد بها فقط أولئك الذين كانوا أبطال هذه الرحلة الافتراضية، ممن اختاروا أن يتنكروا لأخلاقيات مهنتهم، وأن يسخروها لأهواء شخصية وأيديولوجيات مريضة.