في مكان ما من هذا البلد، وتحديدا في الإدارات المالية المنتمية لإحدى الأكاديميات الجهوية،
تجلس كائنات بشرية هجينة، نصفها إداري، ونصفها الآخر يشتغل بتقنية “انقطاع دائم مع سبق الإصرار”،
يتعاملون مع الزمن وكأنه عدو شخصي يجب الانتقام منه بمزيد من التأجيل.
هؤلاء لا ينامون لأنهم مرهقون، بل لأن النوم عندهم وظيفة سيادية،
ولا يستيقظون لأن هناك عمل، بل لأن موعد الغذاء اقترب.
إذا اقتربت منهم مطالبا بحق، انطلقت محركات أعذارهم القديمة
البرمجية لا تشتغل
الموظف خرج
المدير في اجتماع
الملف ما زال في طور التحيين
الوزارة ما زالت تنتظر الضوء الأخضر من كوكب المشتري
والاعتمادات محجوزة في الثقب الأسود
وإذا تجرأت وسألتهم: لماذا لا تُصرف الحقوق؟
جاءك الجواب كطلقة صوتية معلبة:
الفقيه المالي يبذل جهودا كبيرة في قراءة ما بين سطور المرسوم
ثم يبتسمون كما يبتسم الجلاد بعد أن يخبرك أن التعذيب مؤجل لأسباب تنظيمية.
هم لا يتأخرون،
الزمن هو الذي يسبقهم بغدر.
وإذا لاحظت أن ملفك دخل سنة التجميد الثالثة،
فلا تقلق، هذا مجرد فصل معتاد من رواية العبث الإداري المحلي.
العجيب أنهم يتحدثون عن التحول الرقمي وكأنهم رواد وادي السيليكون،
لكنك إذا دخلت مكاتبهم وجدت أجهزة تئن كلما شغلتها،
وشاشات تحتاج إلى التحفيز النفسي لتُضيء،
ولوحة مفاتيح تكتب الحرف بعد استشارة عليا وموافقة ثلاث مصالح
وسؤال أولي: “جبت النسخة الأصلية ديال الريب؟ وشهادة الأجرة؟ وصورة من النسخة الأصلية لأول قانون كتبه حمورابي؟”
أما أولئك الذين يضعون شعارات الإصلاح، فيجلسون في مؤتمرات مضيئة،
يناقشون جودة التعليم على بطن ممتلئ،
يتحدثون عن الشفافية وقد صرفوا كل مستحقاتهم قبل أن تولد حتى
ينادون بالعدالة المجالية وهم يعيشون في بعد إداري خامس، ويرسلون رسائلهم الإلكترونية من فنادق خمس نجوم.
هل قلت تحفيز؟
هنا يطلب منك أن تبدع، أن تبتكر، أن تلهم… بشرط ألا تتوقع أي مقابل سوى عبارة “الله يعطيك الصحة” تقال من خلف مكتب لا يعرف صاحبه الفرق بين المجهود والاستغلال
الواقع بسيط جدا
هناك نظام تعليم يريد أن يصبح فائق الذكاء
لكن تديره إدارة مصابة ب “الزهايمر التنظيمي”
نظام يدعو إلى الإبداع
لكنك تحتاج فيه إلى خمس توقيعات لتحصل على حق مكتوب في المذكرة
نظام يحث على النجاعة
بينما يحتاج قرار الصرف إلى طقوس تعادل شعائر فتح الهرم الأكبر
هل من حقنا أن نسأل إن كان هؤلاء الكبار أيضا ينتظرون؟
هل يراجعون قسم الصرف؟
هل يُقال لهم: “سير آجي نهار إكون الملف جاهز”؟
هل يتوصلون بعبارة “الملف ما زال في مرحلة المعالجة البيولوجية”؟
أم أن لهم بوابة سحرية، يدخلون منها، ويخرجون بأرقام بنكية منتفخة وضمير مستريح؟
نحن في عصر الذكاء الاصطناعي
لكن الإدارة ما زالت تشتغل بنظام تشغيل يعود إلى ما قبل اختراع الهيروغليفية.
نحن في عصر السرعة
لكن الملفات تتحرك كأنها تؤدي مناسك إدارية: طواف، سعي، مبيت إداري، ثم انتظار ظهور المعجزة.
الغريب أن من يُماطلونك صباحا
هم أنفسهم من يصرخون في الندوات مساء عن “ضرورة رفع المردودية”
عن “تحفيز الكفاءات”
عن “عصر جديد من الحوكمة”
ولا أحد يسألهم: ماذا عن العصر الحجري الذي تديرون به هذه المصالح؟
لكن لا بأس
نحن أبناء المدرسة التي تعلمنا فيها الصبر القاتل، لا الصبر الجميل
نقف في طوابير الحقوق كمن ينتظر سفينة في صحراء كلهاري
ننتظر، فقط ننتظر
ثم نضحك
ليس لأن في الأمر طرافة
بل لأن الضحك، هو الوحيد الذي لم يطلب منا وثيقة مصادق عليها
ثم لأن السخرية هي آخر ما تبقى لوصف هذه “الفصيلة الصبارية”