في زمنٍ تتكاثر فيه اللافتات التربوية كما تتكاثر الحشائش بعد المطر، وتُغدَق علينا الشعارات كما تُغدَق الخطب على منابر السياسة، يبدو أن كل إصلاح يولد وفي داخله عطب، وكل فكرة نيّرة تتعرض للوأد على يد موظف بليد يقتات من الفجوات. لقد نزل علينا برنامج مدرسة الريادة محمّلًا بوعود خلّابة وصور مُنمّقة عن تعليم مُبدع وبيئة خلاقة، لكنه سرعان ما يجد نفسه أسير أيدي زمرة تُتقن صناعة الوهم أكثر من صناعة التغيير.
إنهم أولئك الموظفون الذين يرتدون رداء المصلح ويضعون على وجوههم قناع المبادر، بينما في صدورهم تنبض ماكينة حسابية لا تتوقف عن عدّ التعويضات. يدخلون كل ورش الإصلاح كما يدخل المضاربون بورصة متقلبة: أعينهم على المؤشرات لا على الفكرة، وعلى الأرباح لا على المبادئ. إنهم أشبه بالغربان التي تحوم حول الحقول لا لتغني للمزارعين، بل لتقتات من المحصول ساعة الحصاد.
يتقنون فنّ التمثيل: يقفون في الصفوف الأمامية حين تُلتقط الصور الرسمية، يحرصون أن تُوثق أسماؤهم في كل محضر، يوزّعون الابتسامات المزيّفة كما يوزّع الباعة المتجولون سلعتهم البائرة. يتحدثون بلسان التطوير لكن عيونهم لا ترى إلا خانة “عدد الساعات” و”مقدار التعويض”. ولو كان الإصلاح طفلًا بريئًا، لكانوا أول من يخنقه في مهده ثم يكتبون على قبره تقريرًا مطوّلًا عن نجاح الولادة.
كيف نسمح لمدّعي الريادة أن يقتادوا سفينة التعليم، وهم لا يجيدون سوى فن التمويه؟ إنهم يحوّلون التقييم إلى أداة للانتقام، والمذكرة إلى ورقة للتضليل، والتوثيق إلى مسرحية طويلة يُصفّق لها من لا يقرأ ما بين السطور. وكأننا في سيرك إداري: أصوات عالية، حركات بهلوانية، لكن بلا إنجاز واحد ملموس.
لقد تحوّلت بعض المدارس إلى مختبرات للانتهازية؛ حيث تُزرع النوايا الحسنة، ثم تُقطف ثمارها بأيدٍ لا علاقة لها بالزرع. وحين يسأل المرء: أين الإبداع؟ يقدّمون له جداول وإحصاءات، وكأن الأرقام التي تُرتّب في أعمدة وجداول قادرة على أن تعلّم طفلًا القراءة أو أن توقظ في شابّ حلمًا بالنهوض.
مدرسة الريادة لا تُبنى بالمذكرات المكدسة في الأرشيف، ولا بالتقارير التي تُكتب كقصائد مدح لمدير أو مسؤول. إنها تُبنى حين يُعطى القلم للمعلم الصادق، وحين تُفتح الساحة أمام الفاعلين الحقيقيين الذين يقيسون الريادة بالأثر لا بالأجر، وبالفرق الذي يحدثونه في حياة المتعلمين لا بعدد نقاطهم في خانة الترقي.
لقد آن الأوان لنفضح الانتهازيين بلا رحمة، أن نُسقط الأقنعة ونُظهر الوجوه الحقيقية خلف زينة الكلمات. فالمدرسة التي تُسلَّم لذوي العقول البيروقراطية تتحوّل إلى مصنع للرتابة، إلى مسرح هزلي يُعرض فيه كل يوم مشهد جديد من الكسل المتقن والتنصل المزخرف.
فليكن هذا البرنامج مناسبة لاختيار رواد حقيقيين، لا مهرجين يجيدون ارتداء ربطات العنق وحشو التقارير. فالتعليم لا يحتاج إلى بيروقراطيين يكتبون على الورق أكثر مما يفعلون في الواقع، بل يحتاج إلى قلوب مشتعلة، إلى معلمين يرون في كل طفل مشروع أمل، لا مشروع بند مالي.
وإلا، فلن تكون مدرسة الريادة سوى شاهد قبر لإصلاح لم يولد، وأسطورة جديدة تُروى في أرشيف وزارة مكتظة بالملفات، بينما في الواقع يتجول الانتهازيون بيننا بأقنعة الرواد، يقودون مسرحية عبثية طويلة عنوانها: الانقضاض بدل الابتكار.