حين حللت ضيفا غير مرحب به في هذه المصلحة، كان استقبالي أشبه باستقبال نيزك في فنجان قهوة. وقفت عند الباب، أطرق طرق الطامعين، فاستقبلني السيد بنظرات منمقة، تصلح أن تعلب وتباع مع المعلبات.
دخلت إلى القاعة التي كانت تفوح برائحة الورق الرطب والكلمات الجافة. هنالك، كان سادة آخرون، أو بالأحرى الممثلون البارعون، يجلسون خلف مكاتبهم التي انتفخت كما تنتفخ الأوداج في لحظة كذب مباركة.
تقدمني الأول، بابتسامة تسع كتيبة كاملة، مرحبا بي قائلا: “يا لها من سعادة أن تلتحق بنا!” وكان صوته يشبه صوت قطة تهمس في جنازة فأر. الثاني، صاحب العيون اللامعة كجزمات العسكريين، أومأ برأسه مرات ثلاث، كمن يصادق على خطبة جمعة لم يفهم منها كلمة.
في أروقة هذه المؤسسة العظيمة، تتناثر شعارات رنانة مثل قصائد حب على جدران سجن. “النزاهة”، “الضمير المهني”، و”التفاني”، وكلها كلمات طافحة بالنفاق كصحن حساء سقطت فيه يد الطاهي.
تراقبهم وهم يخططون للزيارات بعناية كاهن يجهز عظته الأخيرة، لكن ما إن تطأ أقدامهم المدارس حتى يتحولون إلى أرانب برية ترتدي بدلا رسمية. ضحاياهم المفضلون، يستقبلونهم بخليط غريب من الخوف والرجاء، كمن يقدم زهرة لحطاب.
يتحدثون عن “الإصلاح التربوي” بنفس حرارة تلميذ يتحدث عن واجب منزلي لم ينجزه. ينتقدون الأخطاء البسيطة بنبرة قضاة محكمة التفتيش، بينما يمرون على الكوارث التربوية مرور الغزاة المنتصرين.
في اجتماعاتهم الداخلية، يتبارون في التصفيق للخطب الفارغة، كل واحد يزايد على الآخر، حتى يكاد المرء يظن أنه في حفل توزيع جوائز لمن يصنع أكبر كمية من الهواء الساخن.
أما عندما يحضر المدير العام، تنقلب القاعة إلى سيرك. واحد يسرد مآثره كما يسرد صياد عجوز مغامراته مع سمكة لم يصطدها، وآخر يذكر عدد زياراته كما يعدد راهب عدد صلواته الكاذبة.
فيما بينهم، يشهرون خناجرهم المغلفة بالمجاملات الحريرية. يبتسمون لبعضهم البعض كالقطط المدللة، بينما يخطط كل واحد منهم لطعن زميله عند أول غفلة.
ودعتهم بعد يوم طويل بدا وكأنه شهر في جهنم بيروقراطية. صافحتهم بأطراف أصابعي، وأنا أتخيل أنني أصافح نسخا متعددة من الأفعى ذات الألوان الزاهية.
غادرت المبنى، وأنا أهمس في نفسي:
“ما أكرمكم! لولا نفاقكم، لضاقت بكم الأرض، حتى اضطررتم إلى العمل عملا نزيها عن غير قصد!”