نصيحة وزارية بدل سياسة تعليمية

خرج الوزير في برنامج رسمي، لا كموظف سام ولا كمسؤول عن سياسة عمومية، بل كراو عائلي دافئ، وألقى علينا نصيحته الذهبية: سجلوا أبناءكم في مدارس جيدة ولو كانت بعيدة، واختاروا الأساتذة الجيدين وتجنبوا “المكفسين”، ثم ختم الحكاية بلمسة حنين: هكذا فعل أبي معي. عندها فقط فهمنا أن وزارة التربية ليست مؤسسة، بل ألبوم صور عائلي، وأن إصلاح التعليم لا يحتاج ميزانيات ولا تخطيطا، بل أبا حازما ومدرسة بعيدة.

الوزير لا يتحدث عن المدرسة العمومية كما هي، بل كما يتمنى لو كانت. لا يراها شبكة وطنية يجب أن تكون متكافئة، بل حقل ألغام على الآباء أن يتعلموا اجتيازه بأنفسهم. المدرسة القريبة؟ مشبوهة. المدرسة البعيدة؟ واعدة. الجودة ليست حقا يُضمن، بل مغامرة تُخاض. وهكذا، وبجملة واحدة، أعلن الوزير إفلاس فكرة العدالة المجالية، دون أن يتلعثم.

أما حين وصل إلى الأساتذة، فقد رفع عنهم الغطاء اللغوي، وسماهم بما لا تسميه حتى نشرات الغضب في المقاهي. “المكفسون”. كلمة صغيرة، لكنها أدت وظيفة كبيرة: أعفت السياسات من المساءلة، وعلقت الفشل على كتف الحلقة الأضعف. لم يتحدث عن أقسام مكتظة، ولا عن برامج متقادمة، ولا عن تكوين مرتجل، ولا عن أستاذ يطلب منه أن يكون ساحرا في ظروف عادية لا تنتج إلا التعب. لا، كل هذا تفصيل. المشكلة في “المكفسين”. كلمة تصلح عنوانا لمرحلة كاملة من التهرب.

والأجمل في خطاب الوزير أنه لا يعد بشيء. لا يقول سنجعل المدارس كلها جيدة، ولا سنؤهل القريبة قبل البعيدة، ولا سنرفع عن الأستاذ هذا الإرهاق المزمن. هو فقط ينصح. والنصيحة، كما نعلم، أرخص أشكال الحكم. ينصح الآباء أن يعوضوا غياب الدولة، وأن يقوموا بعمل التخطيط التربوي بدل الوزارة، وأن يفرزوا الجيد من الرديء كما لو كانوا خبراء تفتيش متنقلين.

أما حكايته عن والده، فهي ذروة الشعر السياسي. والد حكيم، مدرسة بعيدة، طفل ناجح، حكاية نظيفة تصلح لكتاب “كيف نجحت في الحياة”. لكنها حكاية لا تصلح لبلد بأكمله. لأن الوزير نسي، أو تناسى، أن أغلب الآباء لا يملكون رفاهية الاختيار، وأن كثيرا من الأمهات لا يملكن حتى ثمن التنقل، وأن “المدرسة البعيدة” ليست قرارا تربويا بل عبئا يوميا قد يبدأ في الخامسة صباحا وينتهي بالإرهاق.

هذا وزير لا يرى في التعليم التزاما عموميا، بل تجربة فردية ناجحة يمكن تعميم نصيحتها دون تعميم شروطها. وزير لا يخجل من القول للناس: نعم، المنظومة مختلة، لكن تدبروا أموركم بأنفسكم. لا يقولها هكذا، طبعا، بل يلفها بحكاية لطيفة وكلمة سوقية وضحكة خفيفة.

وباختصار قاس، هو وزير يعترف بأن المدرسة العمومية لا تصلح للجميع، لكنه لا يرى في ذلك فضيحة، بل واقعا ينبغي التعايش معه بذكاء. وزير يطلب من المواطن أن يكون أذكى من الدولة، ومن الأستاذ أن يكون بطلا خارقا، ومن الطفل أن يتحمل المسافة، ومن الأسرة أن تصمت. أما الوزارة، فتكتفي بالحكي.

حين يصبح الوزير ناصحا لا مسؤولا، وحين تتحول السياسة إلى ذكريات شخصية، فاعلموا أن الوزارة قررت أن تأخذ إجازة، وتترك التعليم في عهدة الحكايات.

وفي النهاية، لا نحتاج وزارة تربية، نحتاج فقط آباء حكماء، وسيارات تتحمل المسافات، وأطفالا أقوياء على الاستيقاظ قبل الفجر، وأساتذة غير “مكفسين” رغم كل شيء. أما الوزارة، فيمكنها أن تكتفي بالحكي، وأن تضع سيرة الوزير الذاتية في المقرر بدل التربية على المواطنة. هكذا يصبح التعليم تجربة شخصية ناجحة، لا حقا عاما، وتصبح المدرسة الجيدة ذكرى بعيدة… مثل الوزارة نفسها.