نحن شعب يعشق الحقيقة عشق غريب. نكتب عنها في الفيسبوك، نشارك صور الحكماء، نردد قل الحق ولو على نفسك، ثم نغضب بشراسة حين يقولها احدهم علينا. نحب الصراحة، لكن بشرط ان تكون عن الاخرين. اما نحن، فالحقيقة عندنا تدخل ضمن الخصوصية. نضعها في خانة الاسرار العائلية، الى جانب الوصفة السرية للكسكس والسن الحقيقي للام.
نربي ابناءنا على قول الحقيقة، ثم نغضب منهم عندما يخبرون الجيران اننا نتشاجر كل ليلة. نقول لهم كن صادقا دائما، لكننا نسكتهم حين تكون الصراحة غير مريحة. الحقيقة في ثقافتنا مثل الدواء، نعرف انها ضرورية، لكننا نفضل ان يأخذها شخص اخر.
في حياتنا اليومية نمارس رياضة الالتفاف على الواقع باتقان. نبتسم ونحن نكذب، ونبرر لانفسنا بان الكذبة البيضاء ليست كذبا بل كي لا نجرح الشعور. حتى صار الصدق عندنا سلوكا وقحا، والسكوت ذكاء اجتماعي. نعيش في مجتمع يكافئ المجاملة اكثر مما يكافئ الشجاعة. الصادق يوصم بالتهور، والمنافق يوصف بالحكيم الذي يعرف كيف يتصرف.
في السياسة نسمع الحقيقة فقط بعد ان تفقد قيمتها. كل مسؤول يقول اخطاء الماضي وكأن الماضي هو من حكم البلاد وليس هو. الخطاب الرسمي مليء بالصدق المؤجل، نكتشف الحقيقة دائما متأخرة بعد ان تصبح بلا جدوى. اما المواطن فيعيش بين تصديق ونسيان، لان الحقيقة التي تأتي بعد فوات الاوان تشبه الاعتذار بعد الموت.
حتى في علاقاتنا الشخصية نحب من يقول لنا ما نريد سماعه لا ما يجب سماعه. نختار اصدقاء يشبهون المرايا التي تزيننا لا التي تفضحنا. نغضب من الناقد الصادق ونصفه بالحاقد، ونصف المادح بالكريم واسع الافق. لقد اصبحنا نعيش في عالم لغوي مقلوب، الصراحة اصبحت وقاحة، والنفاق صار لباقة.
ولاننا لا نتحمل الحقيقة اخترعنا بدائل كثيرة، كلمات منمقة ومجاملات دبلوماسية وعبارات من نوع ربما وعلى كل حال وما قصدتش. هذه اللغة الرمادية هي ما يجعلنا نعيش براحة ضمير داخل كذبة جماعية كبيرة. كلنا نعرف الحقيقة وكلنا نتفق على عدم قولها.
ربما نخاف من الحقيقة لانها تسقط الاقنعة التي بنينا بها حياتنا. الحقيقة لا تجامل ولا تساير ولا تعرف كيف يقولها بطريقة لطيفة. هي مثل المرآة في الصباح، لا تقدر ان تكذب عليك حتى لو توسلتها. لذلك نكسر المرايا ونشتري فلاتر رقمية، لاننا لا نريد رؤية وجوهنا كما هي بل كما نتمنى ان تكون.
نحن شعب يحب الحقيقة، نعم، لكن فقط حين تكون في متحف، مؤطرة باطار جميل، بعيدة عنا قدر مترين على الاقل. اما في الواقع فنحن نفضل الوهم، لانه اكثر اناقة واكثر قابلية للعيش. الوهم لا يجرح احدا ولا يحتاج الى شجاعة. ومع ذلك يبقى فينا ذلك الحنين الغامض الى الصدق، ربما لاننا نعرف في اعماقنا ان الكذب مهما كان متقنا يظل يحتاج الى اعادة شحن كل يوم، بينما الحقيقة لا تنطفئ ابدا.
مرة قلت الحقيقة. لم اكن بطلا، فقط تعبت من المجاملات وقررت ان اقول ما افكر فيه. قلتها بهدوء من دون نية للاساءة، لكني اكتشفت سريعا ان الحقيقة في مجتمعنا لا تقال بل ترتكب. نظرات الناس تغيرت، الاجواء تجمدت، والابتسامات انطفأت. احدهم سعل ليتدخل في اللحظة المناسبة، واخر غير الموضوع بمهارة محترف. اما انا فبقيت مثل متهم في محكمة العادات، ذنبي انني لم اضع السكر في كلامي.
بعدها بدأت اتعلم الدرس العملي، في هذا البلد الحقيقة لا تقال دفعة واحدة. يجب تقطيعها الى اجزاء صغيرة مثل حبة دواء. واذا لم تستطع فالافضل ان تذيبها في كوب من النفاق الدافئ. تعلمت ان المجاملة ليست خيارا بل وسيلة للبقاء، وان تقول ما يريد الناس سماعه هو الطريق الامن لتجنب الحروب الصغيرة التي تبدأ بجملة بصراحة مع احترامي لك.
منذ تلك الواقعة صرت اكثر حذرا. اصبحت اراقب وجوه الناس قبل ان اتكلم. ازن الجمل كما يزن الصراف القطع النقدية. لم اعد اقول الحقيقة كما هي، بل كما يجب ان تقال حتى لا تزعج احدا. الحقيقة الان تمر عبر فلتر من اللطف والاحترام والتقدير الكبير لشخصك الكريم. هكذا تعلمت ان اعيش بسلام داخلي مزيف، لكنه مريح.
الطريف ان الذين يطالبونك بالصدق هم اول من يعاقبك عليه. يقولون لك قل رايك بحرية، ثم يبدؤون بمحاكمتك ان فعلت. يريدون الصراحة التي تلمع، لا الصراحة التي تلسع. يريدون الحقيقة التي تشبه العطر، جميلة وخفيفة وتختفي بعد قليل. اما الحقيقة التي تبقى عالقة في الهواء كدخان، فهي غير مرحب بها.
وهكذا اصبحت الحقيقة عندي مثل ضيف ثقيل، افكر الف مرة قبل ان افتح له الباب. احيانا ارسلها عبر رسالة نصية واغلق الهاتف. احيانا اقولها وانا اضحك كي تبدو خفيفة. واحيانا كثيرة احتفظ بها لنفسي، لانها ببساطة لا تجد من يتحملها.
الغريب اننا جميعا نعيش هذه المعادلة. نحن مجتمع يتحدث عن القيم لكنه يخاف من النتائج. نطلب من الناس ان يكونوا صادقين ثم نغضب حين يصدقون. نحلم بمجتمع شفاف، لكننا نضع ستائر على كل نوافذنا. الحقيقة اصبحت مخلوقا هشا لا يعيش طويلا بيننا.
احيانا اتساءل، هل نحب الكذب فعلا ام اننا فقط نخاف من الصدق؟ ربما لان الحقيقة لا تترك مجالا للهروب، تجبرنا على مواجهة انفسنا كما نحن لا كما نتظاهر باننا. وربما لاننا تعلمنا منذ الصغر ان الكلام اللين يصنع الاصدقاء بينما الكلام الصادق يصنع الاعداء.
في النهاية اكتشفت ان قول الحقيقة في هذا العالم يشبه المشي حافي القدمين فوق الزجاج، مؤلم لكنه يوقظك. وربما لهذا السبب ما زلت اقولها بين حين واخر، لا لانني احب المتاعب، بل لانني لا اريد ان اختنق بكذبة مريحة.