موسم المدرسة: عبث ومنطق في آنٍ واحد

يُفترض أن يكون الدخول المدرسي موعدا للانضباط وبداية للأمل، غير أنه عندنا يشبه أوبرا بلا مايسترو: كل آلة تعزف لحنها الخاص، وكل صوت يصدح منفردا، والنتيجة ضوضاء يصر الجميع على تسميتها انطلاقة دراسية. الجداول الزمنية تُعلق على الحائط في اليوم الأول مثل لوحات فنية، لكن الأسماء التي تتزين بها أشبه بشخصيات روائية: موجودة على الورق، غائبة في الواقع. أستاذ لم يلتحق بعد، آخر عالق في متاهة الحركة الانتقالية، وثالث تحول إلى بطل خارق يدرس عدة مستويات دفعة واحدة. وبين هذه الفوضى، يجلس التلميذ متسائلا: هل هذه حصة رياضيات أم تمرين إضافي في فن الانتظار؟

أما الأقسام فتتحول إلى مخازن بشرية. أربعون، خمسون، ستون تلميذا في حجرة واحدة. المقاعد تضيق والأنفاس تختلط، والدروس تتحول إلى همهمة جماعية؛ ما يسمعه الصف الأمامي يعيد تأويله الصف الخلفي بطريقته الخاصة. وحتى حين يعلن رسميا أن الدراسة بدأت في سبتمبر، فإن التلاميذ يدخلون على دفعات كضيوف متأخرين إلى وليمة: بعضهم في الأسبوع الأول، بعضهم في الثاني، وآخرون في أكتوبر ليؤكدوا أن السنة فعلا قد بدأت. الوزارة من جهتها مطمئنة دائما، فالطقس عندها مشمس في البلاغات وإن كان عاصفا في الساحات.

وعند مدارس وإعداديات “الريادة” يلمع البريق أكثر: التجهيزات إما لم تصل بعد، أو وصلت وما زالت في صناديقها تنتظر من يزيل عنها الغبار، الكتب قررت أن تتبع برمجة خاصة بها: تصل متأخرة، أو تأتي على دفعات متفرقة، لتعلم الجميع درسا في فن الانتظار، درس لم يكن ضمن المنهاج الخاص بالريادة وبذلك تفوقت على الفريق المركزي في هذا “الجانب”. ريادة من ورق، صورة معلقة أكثر منها واقعا ملموسا.

وفي المكاتب، يواصل المديرون مواجهة لغز لا يستهان به: كيف يوزعون حصصا على أساتذة غير موجودين ومستويات مكتظة، كأنهم يحاولون جمع رياح في أكياس، فيرتسم على وجوههم ابتسامة متعبة تحاول إخفاء صعوبة المهمة التي يفوق فيها الواقع كل برمجة.

 أما الكتب المدرسية، فهي مثل الطيور المهاجرة: نسمع عنها أكثر مما نراها، تصل متأخرة أو لا تصل أبدا، فهناك وفرة نظرية وعدد لا محدود في المقرر نفسه، وإن زعمت الوزارة بمراعاة تنوع المتعلمين وتحفيز المنافسة والإبداع. فإنه على أرض الواقع، تتحول الوفرة إلى ندرة؛ الكتب موزعة في المكتبات بشكل يجعل كل تلميذ وكأنه يبحث عن كنز مخفي، وفي أغلب الأحيان تصل فقط عبر الطلب المسبق أو بعد جولات من الانتظار الطويل.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، تضاف إلى ذلك متطلبات الأدوات المدرسية. الأسرة تدخل السوق كأنها تدخل غابة كثيفة، قائمة طويلة من اللوازم، دفاتر عملاقة بحجم الأطلس، وألوان تتجاوز ألوان قوس قزح. بعض الأساتذة يبدعون في طلب دفاتر ضخمة كأنهم يتهيأون لكتابة موسوعة، ثم ينتهي العام بعشرين صفحة مكتوبة، والباقي ورق أبيض شاهد على حلم لم يكتب. وهكذا يزداد العبء على جيوب الأسر، التي تجد نفسها تدفع ثمن مكتبة كاملة.

وفي الخلفية، هناك من يحرك الخيوط بصمت: النقابة. تدخل أحيانا للدفاع عن الحقوق، وأحيانا لإعادة ترتيب القطع على رقعة الشطرنج. مؤسسة هنا تفيض بالأساتذة، وأخرى هناك تعاني خصاصا حادا، والمشهد كله يبدو توزيعا غامضا للأدوار في مسرحية لا يعرف نصها إلا من يجلس وراء الستار. الكل يتحدث عن العدالة، لكن في الممارسة العملية يظل التلميذ والدفاتر الفارغة والصفوف المكتظة هم من يضحّى بهم في صمت.

وفي مقابل هذه الفوضى، تظهر صورة أخرى تماما: المدارس الخاصة. هناك كل شيء مضبوط بالدقيقة، الأقسام صغيرة، الأساتذة حاضرون منذ اليوم الأول، والكتب والأدوات تسلم في حزم أنيقة وكأنها هدايا. لكن الثمن باهظ: من يدفع يجد النظام والانضباط، ومن يعجز يظل عالقا في متاهة العمومي حيث كل شيء مؤجل أو مفقود. المفارقة هنا صارخة، كأننا نعيش في مسرحيتين متناقضتين تُعرضان في نفس البلد: الأولى كوميديا عبثية عنوانها “التعليم للجميع”، والثانية دراما مرتبة جيدا عنوانها “الجودة لمن استطاع إليها سبيلا.” وإن كانت هذه الجودة تحتاج هي نفسها إلى امتحان صارم.

وهكذا يظل الدخول المدرسي موسما يعرض فيه كل عام نفس المشهد: الجداول الفارغة، الاكتظاظ الصاخب، الكتب المفقودة، الأدوات الباهظة، الريادة الورقية، النقابة التي تحرك الخيوط من خلف الستار، والمدارس الخاصة التي تنعم بالانضباط لمن يملك المفتاح الذهبي. وفي النهاية، لا يبقى سوى الجملة الرسمية المعتادة: “انطلق الموسم الدراسي في ظروف جيدة”. جملة براقة، لكنها تشبه موسيقى تعزف في قاعة فارغة.

ورغم كل هذا العبث والفوضى الظاهرة، لا يُقصد من هذا الوصف السوداوي أن ندفن الأمل تحت ركام المشاكل، بل هو مرآة تعكس بعض ما في الواقع، تكشف ما يخفيه البلاغ الرسمي، وتحث القارئ على التمعن والتفكير والتساؤل: كيف يمكن أن يكون التعليم أفضل؟ كيف يمكن أن تتحقق الجودة فعلا، لا شعارا؟ الهدف إذن ليس التهكم من أجل التهكم، بل كشف الحقيقة بسخرية حادة، حتى ينهض الجميع، مسؤولين وأسر وتربويين، لإعادة ترتيب الأمور، ولنجعل الوعد الذي يُتلى في النصوص الرسمية حقيقة ملموسة، لا مجرد موسيقى تعزف في قاعة فارغة.