التحول المهني وأزمته النفسية في الإدارة التربوية المغربية: قراءة وصفية تحليلية في آليات التعويض وتمثلات السلطة

يشهد التعليم المغربي في السنوات الاخيرة تحولا مهنيا ملحوظا يتمثل في انتقال عدد كبير من المدرسين الى مهام الادارة والتصرف التربوي. هذا الانتقال الذي يبدو في ظاهره طبيعيا ومؤشرا على الترقي المهني يخفي في عمقه صراعات نفسية خفية يعيشها بعض المتصرفين التربويين الذين يجدون انفسهم فجأة امام وضع جديد يفرض عليهم اعادة بناء صورتهم الذاتية وتمثلهم للسلطة والمسؤولية. فالمعلم الذي كان يعيش علاقة وجدانية مع التلاميذ في القسم، يتعامل معهم برفق وصبر، يصبح بين ليلة وضحاها مسؤولا اداريا يصدر التعليمات ويراقب اداء المدرسين الذين يدرسون مواد علمية وفكرية معقدة، الامر الذي يولد مفارقة بين التجربة السابقة ومتطلبات الدور الجديد.

من منظور علم النفس المهني يمكن اعتبار هذا التحول نوعا من الصدمة المهنية، اذ ينتقل الفرد من فضاء تربوي افقي قائم على التفاعل الانساني الى فضاء عمودي تحكمه السلطة والتراتبية. هذا التبدل يخلق اضطرابا في الهوية المهنية ويضع الشخص امام تحدي التوفيق بين صورة الذات القديمة وصورة الذات الجديدة. البعض ينجح في تجاوز هذا التحدي بفضل الوعي والمسؤولية، بينما يعجز اخرون فيقعون فريسة ما يسميه علم النفس بآلية التعويض، وهي محاولة لا واعية لتعويض مشاعر النقص السابقة بمظاهر قوة وسلطة مفرطة. من عانى في الماضي من ضغط المفتشين وتقاريرهم قد يشعر اليوم بالرغبة في ممارسة نفس الضغط على غيره، معتقدا انه بذلك يستعيد كرامته او يثبت ذاته.

في المؤسسات التعليمية المغربية يمكن ملاحظة سلوكيات ادارية تستمد جذورها من هذه الالية النفسية، حيث يتحول المكتب الى مجال لتفريغ التوترات القديمة، ويتخذ بعض المديرين موقفا استعلائيا تجاه الاساتذة، يوزعون الاوامر بحدة وينتقدون دون مبرر. هذا السلوك لا يعبر بالضرورة عن نية سيئة، بل عن حاجة داخلية الى الاعتراف والاعتبار لم تشبع في الماضي. في المقابل هناك مديرون استطاعوا تحويل تجربتهم في القسم الى طاقة ايجابية، فمارسوا القيادة بتواضع وفاعلية وخلقوا مناخا يسوده الاحترام والثقة.

التمثلات السائدة للسلطة داخل المدرسة المغربية تساهم بدورها في تكريس هذه الازدواجية. فالثقافة الادارية ما تزال تميل الى تصور المدير كشخص يتحكم ويصدر القرارات، لا كشخص ينسق ويقود الفريق. لذلك يغيب احيانا الوعي بان السلطة التربوية هي وظيفة تنظيمية وليست وسيلة للهيمنة. وحين لا يواكب التحول المهني بتكوين نفسي وتربوي ملائم، يصبح المنصب الجديد مدخلا لتضخم الانا بدل تنمية الكفاءة. فالسلطة في غياب النضج الانفعالي تتحول الى عبء على صاحبها وعلى المؤسسة معا.

من الزاوية النفسية يشكل الذكاء العاطفي عاملا حاسما في نجاح القائد التربوي. المدير القادر على فهم مشاعره وضبطها، وعلى التعاطف مع زملائه، يخلق مناخا من الثقة والتعاون. اما من تغلب عليه الانفعالات والرغبة في السيطرة فيقود المؤسسة نحو التوتر والصراعات. التجارب الميدانية تشير الى ان المؤسسات التي يسودها نمط القيادة التشاركية تسجل معدلات اعلى من الرضا المهني ومن جودة الاداء التربوي، في حين تعاني المؤسسات التي تتبنى القيادة السلطوية من ضعف التواصل وكثرة النزاعات الخفية.

ان التحول المهني من التدريس الى الادارة لا ينبغي ان ينظر اليه كترقية تقنية فقط، بل كرحلة نفسية معقدة تستلزم استعدادا داخليا وتكوينا عميقا في علم النفس التربوي والقيادة الانسانية. فالتصرف التربوي الناجح لا يقوم على التسلط بل على القدرة على الاصغاء والتوجيه والتحفيز. المدير الذي يدرك ان سلطته وسيلة لخدمة المؤسسة لا لتأكيد ذاته يكون اقرب الى تحقيق التوازن المطلوب بين الادارة والتربية. اما الذي يجعل من منصبه تعويضا عن جراح الماضي فيسهم دون وعي في تحويل المدرسة الى مسرح للغرور بدل ان تكون فضاء للتنمية والتربية.

ان المدرسة المغربية تحتاج اليوم الى قادة متوازنين نفسيا يمتلكون وعيا عاطفيا ومهارات تواصلية اكثر مما تحتاج الى متصرفين يجيدون اصدار المذكرات والتقارير. فجوهر القيادة التربوية هو خدمة الانسان، والسلطة التي لا تتأسس على الفهم والاحترام تتحول الى شكل من اشكال الاغتراب المهني. لذلك فان اصلاح الادارة التربوية يمر عبر تأهيل النفوس قبل تأهيل النصوص، وعبر بناء وعي جديد يجعل من التواضع والقدوة ارقى اشكال السلطة في المدرسة.