مدرسة على ضفاف الوهم

زرنا ما يُسمّى “مؤسسة تربوية خصوصية”، فإذا بها عمارة نبتت كما تنبت الأعشاب الضارة على ضفاف الوادي، لا تشبه مدرسة ولا تشبه بيتًا ولا حتى إسطبلًا، بل كأنها مشروع تجاري لم يُكمل مقاول صفقته بعد، فبقيت نصف مبنية ونصف ميتة. قيل لنا إنها مكانٌ للتربية، لكننا لم نجد فيها أثرًا للتربية سوى على اللافتة المعلقة بطلاء رخيص. جدرانها كئيبة كأنها تتهيأ لتشهد جريمة تربوية جماعية، وأبوابها تصرّ كما تصرّ أبواب المخازن في الأسواق الأسبوعية.

استقبلتنا موظفة عند المدخل، جالسة خلف مكتب لا يليق حتى بدكانٍ صغير يبيع الطباشير بالتقسيط. ألقت علينا نظرة لا تحمل ترحيبًا ولا احترامًا، بل نظرة حارسٍ يراقب بوابة مصنع، أو نادلٍ تعب من عدّ الزبائن. في الداخل لا شيء يشبه المدرسة: لا قاعة درس تستحق أن تُسمّى قاعة، لا سبورة تحمل أثر طبشورة، لا هواء يصلح لرئتين بشريتين. الصدى وحده يتردد بين الجدران الفارغة، وكأنه يعيد على مسامعنا جملة وحيدة: “أنتم في مقبرة التعليم الخاص”.

يقال إن صاحب هذا المكان لا يعرف من التعليم إلا ما يحفظه تقويم العطل، وإن سألته عن التربية حدثك عن جدول الأداء الشهري، وإن فاتحته في مستقبل التلاميذ حدّثك عن ربح العقار. دخل الميدان لا حبًا في الأطفال ولا في المعرفة، بل حبًا في جيوب الآباء، فجعل المدرسة ماكينة صرف آليّ تبتلع الأوهام وتوزّع إيصالات باليأس. وإن سألته عن الرؤية سيقرأ لك فاتورة الطباشير، وإن سألته عن الجودة سيشير إلى طبقة طلاء متقشّرة على جدار يتداعى.

أيها المسؤولون، بأي عينٍ غضضتم الطرف عن هذا الوكر؟ بأي قلبٍ منحتم شهادة الميلاد لمؤسسة لم تولد أصلًا؟ هل صار التعليم عندنا سوقًا موسميا مثل سوق الأكباش في عيد الأضحى، حيث يُعرض التلميذ كما يُعرض الكبش: بالوزن والسعر والمزايا؟ هل صار الحلم غرقًا متعمدًا في وحل الوادي، حتى يسهل دفنه بعيدًا عن الأعين؟

إنها ليست مدرسة، بل متجرٌ بلا بضاعة، مسرحية بلا نص، قبرٌ مفتوح ينتظر من يدفن فيه عقله الصغير بثمنٍ شهري معتبر. ومع ذلك سيكتبون عنها تقريرًا رسميًا، وسيخرج مسؤول إداري بربطة عنق أنيقة ووجهٍ مطمئن ليعلن أن المؤسسة تُجسد ’الرؤية الجديدة للتعليم الخصوصي‘… رؤية لا ترى، ومستقبل لا يولد، وهاوية تستقبلنا بأذرع مفتوحة.