في بلاد ترفع فيها الشعارات التربوية كما ترفع لافتات ديربي في كرة القدم الأمريكية، أصبح التعليم طبقا يوميا على موائد الاستثمار، ولأن الأفكار النبيلة لا تطعم خبزا تحول الأستاذ من رسول يحمل شعلة المعرفة إلى تاجر يبيع الفهم بالقطعة ويقسط النجاح على أقساط شهرية. في كل زقاق، في كل شارع، في كل عمارة تئن تحت وطأة الجدران المتشققة، تطالعك لافتة مكتوبة بخط متحمس أكثر من لائق: “دروس الدعم لجميع المستويات، نتائج مضمونة!” كأنها إعلان عن دواء يقضي على الجهل في ثلاث جرعات فقط. لا تسل عن التراخيص، ولا عن رقابة، فهذه الأماكن تنبت كما ينبت الفطر في الظل: بلا جذور، بلا ضوابط، بلا خجل. في النهار، يقف الأستاذ في القسم شاحب الوجه يردد دروسا كأنها تعويذة قديمة فقدت سحرها، وفي الليل يتحول إلى فقيه في علوم التفسير التعليمي، ينشط كأن الكهرباء قد سرت في عروقه، يشرح، يتلو، يوزع “الملخصات”، ويغري الآباء بجملة سحرية: “نضمن لك نقطة تفوق ابن الجيران.” وهكذا أصبح القسم الرسمي مكانا لتوزيع الصمت، وحجرة “الدعم” هي مسرح المعجزات، منها يتخرج من لا يعرف جدول الضرب، ويدخل الامتحان بورقة محشوة بما كتب في “الدروس الخصوصية”. أين الوزارة؟ ربما منشغلة بإعادة طبع المقررات للمرة العاشرة، أو بإطلاق منصة رقمية لا يدخلها أحد إلا بالصدفة، أو بإنجاز تقارير تشير إلى “تحسن ملحوظ في نسب النجاح”، نجاح مدفوع الأجر، منقوع في محلول النفاق التربوي. أما المفتش فإن صادف هذه الشقق التعليمية، يلقي السلام ويستلم ظرفا بنيا ويبارك الجهود، فهو الآخر يعرف أن لا جدوى من حرب على من يملك سلاح “النقطة”. وحين يحل موعد الفروض، ترى التلاميذ يقيسون جهدهم ليس بما فهموا، بل بما دفعوا، فمن لم “يدعم” يعاقب بورقة بيضاء، ومن حضر حصة “الخلاص”، نفخ فيه العلم نفخا، وصعدت نقطته في سلم النجاح كما تصعد فقاعات الصابون. هكذا في جمهورية الطباشير صارت المعرفة خادمة للمال، وصار التعليم مضمار سباق يربحه من يملك أقداما أسرع في الجري نحو الأستاذ بعد الدوام، وهكذا ينمو جيل لا يحفظ سوى “ملخص الأستاذ”، ولا يعتقد أن الحقيقة توجد في الكتب بل في جيب والده. في النهاية، لن تسأل الدولة عن هذا العبث، فهي نفسها تطبع مذكرات رسمية تتجاهل المأساة وتكرم القائمين على الشأن التربوي في حفلات لا يحضرها إلا من تجاوز سن التقاعد. وهكذا تستمر الملهاة، ويبقى التعليم عندنا: “دروسا خصوصية، ونتائج مضمونة، بشرط الدفع نقدا.”
ملاحظة: هذا النص يتحدث عن ظاهرة تربوية مستفحلة لكنه لا يقصد التعميم.