يعيش الانسان في عالم تتقاطع فيه الخطابات وتتناقض، حيث يصعب احيانا التمييز بين ما يقال لوجه الحقيقة وما يقال لوجه المصلحة. فالكلمات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل اصبحت اداة للتمويه والمراوغة. ان ثنائية الخطاب ليست مجرد ظاهرة لغوية، بل حالة نفسية وثقافية تعكس الازدواج القائم بين الصورة التي يرغب الفرد او المجتمع في اظهارها، وتلك التي يخفيها خوفا او طمعا او خضوعا لسلطة ما. فالخطاب الظاهر يصبح قناعا للخطاب الباطن، واللغة تتحول من وسيلة للتعبير الى وسيلة للتستر.
في الحياة العامة تتجلى هذه الثنائية في كل المستويات. فهناك خطاب رسمي يحتفي بالقيم والمبادئ، وخطاب واقعي يكرس المصالح والمنافع. بينهما مسافة تتسع بقدر ما يتراجع الوعي الاخلاقي. المجتمع الذي يعيش هذه المسافة يعيش نوعا من الانفصام الجماعي، اذ يصبح المواطن مطالبا بان يصدق ما لا يراه، وان يردد ما لا يؤمن به. وحين تتكرس هذه الحالة يصبح الصدق فعلا استثنائيا والكذب جزءا من النظام الرمزي الذي يحكم العلاقات والمؤسسات.
من الناحية النفسية يمكن تفسير ثنائية الخطاب باعتبارها الية دفاعية يحاول الفرد من خلالها التوفيق بين ما يشعر به وما يفرض عليه ان يقوله. فحين تتناقض الذات الداخلية مع النظام الاجتماعي او السياسي او القيمي، تلجأ الى انتاج خطابين، احدهما علني ينسجم مع ما هو مقبول، والاخر باطني يعبر عن الرفض او القلق او التمرد. هكذا تتحول اللغة الى ساحة صراع بين الداخل والخارج، بين الرغبة في الصدق والخوف من العواقب. ان ازدواج الخطاب اذن هو انعكاس مباشر لازدواج الوعي.
ثقافيا تنمو هذه الظاهرة في البيئات التي يضعف فيها الحوار وتغيب فيها الحرية. فحين يشعر الانسان ان كلماته قد تستخدم ضده، يبدأ في صياغة خطاب محسوب، ينتقي الفاظه بعناية ويترك للمعنى ما يوحي به دون ان يصرح. ومع الزمن يصبح هذا السلوك عادة ذهنية تخلق نموذجا اجتماعيا قائما على الغموض والتلميح بدل الوضوح والتصريح. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، اذ تتحول الى ثقافة عامة تفرغ اللغة من صدقها، وتحول التواصل الى لعبة من الاشارات لا من الحقائق.
من جهة اخرى يمكن النظر الى ثنائية الخطاب بوصفها مرآة للسلطة في معناها الواسع. فكل سلطة سياسية كانت او اجتماعية او رمزية تفرض على الافراد شكلا معينا من الكلام، وتجعل من مخالفة هذا الشكل تهديدا للنظام القائم. فينشأ الخطاب المزدوج كاستراتيجية بقاء، الناس يقولون ما يجب قوله في العلن، ويحكون ما يريدون قوله في السر. وهكذا تتكلم المجتمعات بلغتين، واحدة في الضوء واخرى في الظل، وتفقد بذلك قدرتها على المصالحة بين القول والفعل، بين الحقيقة والمصلحة.
لكن هذه الثنائية ليست قدرا ابديا، اذ يمكن تجاوزها حين يتحرر الانسان من الخوف ويستعيد ثقته في قوة الكلمة الصادقة. فالخطاب الموحد، الصادر عن وعي ناضج ومسؤول، هو وحده الكفيل باعادة التوازن بين اللغة والواقع. وعندما تتصالح الذات مع ذاتها، يتصالح الكلام مع معناه، وتستعيد الكلمة قدرتها الاصلية على بناء المعنى لا على اخفائه.