يبدو ان الانترنت خلق انسانا جديدا، كائنا يعيش في صورتين، واحدة مصقولة بالمرشحات، والاخرى مشوهة في العتمة.
في العالم الرقمي، الجميع نبلاء، متسامحون، لطفاء الى حد الغثيان. ينشرون الحكم عن اللطف والاحترام، ويتحدثون عن السلام الداخلي، ويؤكدون على اهمية الصدق، وهم في الوقت ذاته يكدسون اكاذيبهم في محادثات جانبية، ويكتبون تعليقات تفيض سخرية وسمّا.
لقد صار الورع الحديث ليس ورعا دينيا، بل ورعا سلوكيا شكليا؛ التظاهر بالنقاء، لا ممارسته.
في الفضاء الافتراضي، كل شيء يبتسم: الكلمات، الوجوه، حتى الاكاذيب.
كل مستخدم يطل على الآخرين من نافذة صغيرة في هاتفه، متقمصا دور الانسان النبيل الذي يريد للعالم ان يكون افضل.
لكن حين تنطفئ الشاشة، ويغلق الباب، يعود الممثل الى واقعه: عابس، متذمر، حقود، يلعن الناس الذين صفّقوا له قبل قليل.
نحن جيل يجيد الوعظ ولا يطيق التطبيق، يعيش بورع الكتروني واثم ملموس، كأن الاخلاق عندنا عقد ايجار مؤقت في الفضاء الرقمي.
تجد من يكتب منشورا مطولا عن احترام الاختلاف، ثم يدخل بعد دقائق ليهاجم اول رأي يخالفه.
وتجد من يتحدث عن الانسانية وهو يسحق الآخرين في اول جدال.
صار الاحساس بالفضيلة مسألة تفاعل: كلما حصدت منشوراته اعجابات اكثر، ازداد يقينه بانه طيب، خيّر، صاحب رسالة.
لقد استبدلنا الضمير بالنوتيفيكيشن.
الورع الرقمي لا يطلب من المرء سوى ان يبدو لطيفا، لا ان يكون كذلك.
انه اخلاق تجميلية، لا جوهرية.
نحن نتصور انفسنا من خلال عدسة امامية، ونعيد تشكيل شخصياتنا كما تعدل الصور في التطبيقات: قليل من التنعيم، قليل من الضوء، وبعض الكلمات الرقيقة لتخفي فظاظة الداخل.
وهكذا اصبحنا نعيش حياة مزدوجة: نغرد كأننا ملائكة، ونعيش كأننا في سوق للفوضى.
في هذا العصر، الفضيلة لم تعد سلوكا، بل اداء مسرحيا.
كل شيء قابل للعرض، حتى النبل.
نكتب عن احترام الوقت ونحن نضيعه في تتبع اخبار الآخرين.
ننادي بالمحبة، لكننا نحذف من لا يتفق معنا.
ندين الكذب في العلن، ونمارسه في الرسائل الخاصة، حيث لا احد يرانا الا انفسنا، ونحن اكثر من يغفر لها.
ربما لم يعد الانسان يبحث عن الحقيقة، بل عن صورة جميلة عنها.
في زمن الورع الرقمي، لا احد يريد ان يكون صالحا، بل ان يرى كذلك.
انها رغبة مرضية في الظهور بمظهر متوازن، عاقل، واثق، متفهم، حتى لو كنا في الداخل نرتجف من الحقد او الغيرة او الفراغ.
صار الضمير مجرد خوارزمية تعيد ترتيب اولوياتنا حسب عدد المتابعين.
العالم الرقمي ليس جحيما كما قال سارتر، بل مسرحا صغيرا نرتدي فيه اقنعة متقنة، ونضحك ونحن نتبادل الطعنات بابتسامة رقمية.
لا احد يصرخ هناك بصوته الحقيقي، الكل يتحدث من خلف جدار من البلاغة المصطنعة والرموز التعبيرية.
والمفارقة الكبرى ان هذا الورع الزائف يمنحنا شعورا كاذبا بالسلام، تماما كما يمنح المخدر المريض احساسا مؤقتا بالصحة.
اما الاثم الواقعي، فليس دوما جريمة. احيانا يكون لحظة صدق: حين نغضب بصدق، نحسد بصدق، نكره بصدق.
الخطايا التي لا تصور ربما اكثر انسانية من الفضائل التي تعرض.
الشر الصادق اجمل من الخير المتكلف، لان فيه بقايا من الانسان الذي لم يتعلم بعد كيف يخدع نفسه.
لقد اختصرنا الحياة في واجهة رقمية، وحولنا الاخلاق الى اعدادات الخصوصية.
صرنا نمارس النفاق كأننا نتنفسه، ونقنع الكذب تحت عناوين براقة: رأي شخصي، تعبير حر، طاقة ايجابية.
صار كل انسان مدرب علاقات عامة لذاته.
يخاف ان يبدو غاضبا، او متناقضا، او قاسيا، لان الجمهور لا يغفر العفوية.
لكن خلف كل هذا التأنق الافتراضي، يعيش بشر حقيقيون، بعقدهم، بعثراتهم، برغبتهم في البكاء دون جمهور.
انهم يعرفون ان الورع على الانترنت رخيص، وان الفضيلة الحقيقية لا تصور.
ربما في تلك اللحظة الصامتة التي يطفئ فيها الانسان هاتفه، ويجلس امام مرآته بلا فلتر، يعود قليلا الى نفسه، ويتذكر انه ليس مطالبا بان يكون مثاليا… فقط صادقا بما يكفي ليكره نفاقه.