في كل مرة يخرج علينا مسؤول ليبشر بفتح جديد في التعليم، نشعر أننا أمام شاعر حالم أكثر من رجل دولة.
ومؤخرا، طلع علينا السيد وزير التعليم ببيان فلسفي من العيار الخفيف، يعلن فيه أن المشكل في التعليم المغربي ليس في البنيات ولا في النموذج البيداغوجي ولا في اللوجيستيك، بل في “العلاقة بين المدير والمفتش”!
يا للدهشة! بعد عقود من الفشل والإصلاح والترقيع، نكتشف أن السر كله في غياب الانسجام الوجداني بين رجلين يعملان براتب واحد في ظل إدارة لا تملك حتى سيارة صالحة للاستعمال.
هكذا بكل بساطة، يختزل المشهد التعليمي، من آلاف المؤسسات المتهالكة، إلى ثنائية وجودية تشبه “ديكارت ومونتسكيو” في حوار حول ماء الشرب.
فالمدير، كما قال الوزير، “إطار عال، وعليه أن يدبر”.
ومشاكله بسيطة، بسيطة جدا: توفير الماء، إصلاح الباب، حفر بئر صغيرة، وربما ترميم السقف حين يسقط على رؤوس التلاميذ.
هكذا تتكلم الحكمة حين تلبس بذلة رسمية.
لكن يا معالي الوزير، في إكاون بالحسيمة، خرج التلاميذ عطشى يطلبون ماء يشربونه، لا فلسفة يشربونها.
احتجوا لأنهم لا يجدون مكتبة ولا كراسات ولا حتى مرحاضا يحفظ كرامتهم.
كان يمكن للوزير أن يراهم — من نافذة سيارته المكيفة — ويقول بابتسامة رسمية: “إنها تجربة تعليمية في تدبير الندرة”.
ففي قاموسه الإداري، العطش ليس مأساة بل مهارة، والفقر ليس عائقا بل كفاية ذاتية.
ومن يطلب الماء في مدرسة مغربية، سيقال له: “احفر بئرك، فأنت مدير ”.
ثم يخرج الوزير ليقول إن المشكل ليس في النموذج البيداغوجي.
جميل. لكن أي نموذج يقصد؟
هل يقصد ذاك الذي يطل من برجه النظري في المذكرات والمجالس؟
أم “الريادة” التي ظل يمدحها ويصفها بالخلاص، وهي لا توجد إلا في عدد محدود من المؤسسات، تعاني بدورها من غياب التجهيزات والكتيبات، وتأخر تركيب السبورات والمساليط؟
يا سيدي الوزير، حتى الريادة عطشى!
ريادة تبحث عن قلم لتكتب به اسمها، وعن دفتر لا يزال محتجزا في شاحنة الممون.
تريد أن تطير، لكنها لم تحصل بعد على جناحين من ورق رسمي مختوم.
أما المفتش، حجر الزاوية في خطاب الوزير، فهو في الميدان كالغيمة التي لا تمطر.
ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع.
عشرات المفتشين يتناوبون على سيارة مصلحة واحدة، يتقاسمونها كما يتقاسم التلاميذ مقعدا مكسورا.
منهم من يقطع الجبال راجلا، ومنهم من يؤطر عبر الهاتف، لأن الطرق الوعرة لا تعرف “المقاربة التشاركية”.
ورغم ذلك، يقال لهم إنهم مسؤولون عن التأطير والمتابعة وضمان الجودة.
أي جودة يا سيدي الوزير؟
الجودة في التعليم تشبه السراب في الصحراء: تراها من بعيد، لكنها تختفي حين تقترب منها.
المدير في المقابل تحول إلى شخصية أسطورية.
هو الإداري، والمحاسب، والممرض، والسباك، وأحيانا حارس الأمن.
يحفر البئر بيده، ويملأ الاستمارة بالأخرى، ويكتب التقرير بأسنانه.
ينتظر ميزانية لا تأتي، ويحاسب على تأخر لم يسببه.
ثم يقال له: “كن إيجابيا، فالإصلاح يبدأ من الذات”.
أي ذات هذه التي تذوب في دوامة المراسلات والمهام وتواقيع الحضور والانصراف؟
أما الوزارة، فتطل من برجها العالي، تلقي خطبها المطمئنة على الميدان كما تلقى القصائد على جمهور لا يسمع.
تتحدث عن المستقبل كما يتحدث العراف عن الحظ، بثقة لا أساس لها.
تقول إن كل شيء بخير، فقط لو أحب المدير المفتش أكثر، وتعاونت الجماعات المحلية لتوفير الماء، وكأن التعليم جمعية خيرية تنتظر صدقة من السماء.
لكن الحقيقة يا معالي الوزير أن المدرسة المغربية لا تعاني من نقص في الانسجام، بل من فيض في النسيان.
نسيان أن الطفل لا يمكنه أن يتعلم وهو عطشان.
نسيان أن الأستاذ لا يمكنه أن يبدع وهو يعيش التهميش.
نسيان أن الإصلاح لا يبدأ من الوجدان، بل من الإرادة السياسية.
فالتعليم ليس مشهدا في فيلم خطابي، ولا نشرة علاقات عامة. التعليم مسؤولية دولة، لا نزهة فكرية.
“إن كان على المدير أن يحفر بئرا، فليبحث الوزير عن المطر.”
“ومن أراد أن يزرع الأمل في مدرسة عطشى، فليحمل دلو ماء لا دفتر خطب.”
يا سيدي الوزير، التعليم لا يعيش على البلاغة، ولا يزدهر في خطب المناسبات.
إنه يحتاج عملا صامتا، لا ضجيجا بليغا.
وحين تغيب هذه الشروط، لا يبقى لنا إلا الشعر والسخرية، وهما لحسن الحظ لا يحتاجان ميزانية.