المدرسة ملعب البرامج المتعاقبة

المدرسة عندنا ليست مؤسسة تعليم بل ملعب ألعاب موسمية. يستيقظ التلاميذ كل أربع سنوات على لافتة جديدة تعلن: «مرحبا بكم في التجريب من جديد!» ويستيقظ المدرس على دليل جديد مكتوب في مكتب بعيد من موظف لم يشم رائحة الطباشير يوما في حياته.

تدخل برنامجا فتجد نفسك في غابة مصطلحات براقة ثم يختفي البرنامج فجأة مثل إعلان تخفيضات انتهى قبل أن يصل الزبائن.

في هذا البلد حتى الأفكار لا تعيش عمرا طبيعيا. كل شيء يولد بحماس استعراضي ثم يموت بهدوء إداري متفق عليه. ثم يأتي برنامج جديد بملامح أجمل وجثمان القديم لم ندفنه بعد.

المدرسة؟ لا أحد يعرف ما هي بالضبط. هي مكان يمر عبره الإصلاح مرور السائح يلتقط صورة ينشر ابتسامة ثم يغادر. والمدرس لم يعد صاحب مشروع فكري بل سائق حافلة يغير اللوحة الأمامية حسب المزاج الوزاري: اليوم «ريادة» بالأمس «تحدي» و«جسر» الذي ظهر فجأة ثم خفت صوته بنفس سرعة ظهوره كخبر عاجل لم يكتمل. ثم مشروع جديد بلا اسم مميز لأن القصة ليست في الاسم بل في سرعة التخلص منه. المهم الرقم في لوحة القيادة! وهكذا يعاد تزيين واجهة المدرسة في كل موسم.

وتبقى الأوراق الرسمية مليئة بالأرقام بينما التلميذ يبحث عن معرفة تستقر في رأسه فلا يجد سوى قصاصات طارئة وذاكرة تعليم قصيرة النفس. ووزارات تعيد اختراع العجلة كل مرة وكأنها لم تكتشف أن العجلة تدور ثم تعود للمكان نفسه.

هل تعرف ما يجعل الأمر مضحكا؟ أن كل برنامج يأتي وهو مقتنع أن الخلل كان في السابقين وأنه هو الوحيد الذي يحمل مفتاح الخلاص. لكن المدرسة المسكينة تبتسم لأنها ملت أن تفاجأ وتعرف أن الخلاص لا يأتي من اسم البرنامج بل من الذي سيبقى بعد أن تنتهي موجة التصفيق.

ثم ظهرت فئة جديدة في المشهد التربوي: “الهيئة الوطنية لتغيير البرامج”. ترى الواحد منهم بالأمس يشرح كلاما عن أهمية التعليم المتمركز حول المتعلم واليوم يعلن لك بكل ثبات أن الريادة هي جوهر التقدم وغدا سيقسم أن «جسر» هو الحل الوحيد الممكن وأن من يشكك فيه لا يفهم مستجدات الإصلاح. يهرول من برنامج إلى آخر كالذي يغير جلده قبل أن يجف الحبر على جلده السابق. لا تضيعهم أسماء المشاريع ولا تربكهم التحولات ولا تخجلهم التناقضات. المهم أن يصل قبل الآخرين إلى منصة العروض التدريبية الأولى ليلتقط صورة بجانب البوربوينت ويقول للكاميرا بكل حزم إن الإصلاح أخيرا أمسكناه من عنقه!

هؤلاء المهرولون يملكون قدرة مدهشة على التصفيق قبل أن يفهموا ماذا يحدث ويملكون قدرة أدهش على النسيان حالما تظهر لافتة جديدة من الوزارة. إنهم رجال جهاز داتا شو سادة الحقائب اليدوية وجنرالات الأقلام الملونة. تجد في جيب الواحد منهم قائمة مصطلحات جاهزة لكل برنامج قادم حتى قبل أن يعلن عنه رسميا. فإذا استغرب المدرس العادي هذا الحماس جاءه الجواب جاهزا: «يا أستاذ أنت متأخر عن المستجدات» وكأن المستجدات لا تحتاج تفكيرا بل تحتاج سرعة في حفظ المصطلحات وسرعة أكبر في نسيان ما سبقها.

وعند هؤلاء صار البرنامج ديانة مكتملة، والعرض التدريبي ليلة الغفران الوحيدة التي يرجون منها الخلاص. فلا حاجة عندهم إلى منطق ولا برهان ولا إلى سؤال “لماذا”. يكفي أن يبدوا في الصورة… ولو كانت الكاميرا نفسها مشوشة.

ويبقى صوت المدرسة الخافت يقول لنا في النهاية: كفوا عن إصلاحي كفوا عن تجزئتي. أنا لست ملعبا أنا بيت تكوين الإنسان لا ساحة عروض موسمية.