الطريق الصحيح… إلى الخطأ

ما زال التعليم عندنا يتقدّم بخطى طائر خائف، يرفرف بأجنحةٍ مبتلة فلا يطير ولا يستقر، يقفز خطوةً إلى اليمين ثم يتعثر شمالًا، يبتسم في وجه الفشل كما يبتسم المتسول في وجه الشرطي، ويصدّق أن الألم صفيرٌ موسيقيّ يليق بكرنفال الإصلاح. كل وزير يولد ببرنامج، وكل برنامج يولد ميتًا، وكل وثيقة إصلاح ليست إلا إعلان وفاة جديد لتجربة لم تُكتب لها طفولة. المسؤولون يتبادلون الخطط كما يتبادل أطفال الأزقة بطاقات اللعب: أحدهم يعد بالإقلاع، آخر يعد بالإبداع، ثالث يصوغ مرسومًا لا يفهمه، رابع لم يفتح كتابًا منذ زمن الديناصورات، وخامس يتقن النوم العميق في الاجتماعات كما لو كان يشارك في بطولة العالم للخمول. الأسئلة مشتعلة: من سرق؟ من أهدر؟ من شوّه؟ لكنها سرعان ما تذوب في لجان التحقيق كما تذوب قطع السكر في فناجين الشاي، واللجان نفسها تذوب بدورها في دخان السجائر ورائحة القهوة الباهتة. الكفاءة هجرت الوزارة منذ عقود، هاجرت إلى بلاد تعرف الفرق بين التلميذ والزبون، وبين المدرسة والسوبرماركت، وتركتنا هنا مع خبراء في كل شيء إلا ما يخص التعليم. عندنا مسؤول يكتب تقريرًا عن الجودة وهو لم ير قاعة درس منذ أن كانت الماموثات تتجول على الأرض، موظف آخر يرفع شعار الحكامة في ملتقى رسمي ثم ينسى أين وضع حقيبته بعد أن قبض أول تعويض، ونقابات لا يهمها سوى النقطة الاستدلالية وزيادة الرواتب، تبارك الترقيات وتغضّ الطرف عن الأشباح الذين يتقاضون رواتب بلا أثر، وعن الأقسام التي تنام فارغة في انتظار معلمٍ ضاع في دهاليز الإدارة. أما الليبرالية فقد دخلت التعليم كما يدخل الغنّام سوق الماشية، جعلت المدرسة مقاولة، والتلميذ زبونًا، والأستاذ موظفًا بلا روح، وصارت القيم تسعّر كما تُسعّر البطاطا في أسواق الجملة. كل موسم لنا برنامج جديد: برنامج للجودة، برنامج للرقمنة، برنامج لجسور نحو الجنة، برنامج لمحو الأمية، ثم برنامج لمحو الذاكرة، وآخر لمحو العقول، وكلها برامج عظيمة على الورق، ميتة على الأرض. أما الرؤى فهي مواسم احتفالية: كل عام رؤية، كل وزير حلم، كل لجنة توصية، وكل توصية جثة تُدفن في صمت. هكذا يمضي التعليم في أفقٍ بلا شمس، وشمسٍ بلا دفء، ودفءٍ بلا معنى. لا شيء يصمت: البلاغات تتكلم، اللافتات تصرخ، الخطب تتدفق كالسيل، وحدها المدرسة تسعل وتبكي وتحتضر، كعجوزٍ تجرّ وراءها أسطوانة الأكسجين وتُصفّق لها الجماهير على أنها “تتعافى”. والقطار يسير بلا سكة، بلا بوصلة، بلا سائق، ومع ذلك يُصفّقون له عند كل محطة كما لو وصل إلى الفردوس. يكتبون بيانات عن الإنجاز العظيم الذي لم يحدث ولن يحدث، ثم يخرج المذيع في نشرة الثامنة، يبتسم بصوت رخيم، ويخبرنا أننا في الطريق الصحيح، نعم، في الطريق الصحيح نحو الهاوية، والهاوية نفسها تُصفّق.