أنشودة التعليم الحزين

لسنا بحاجة إلى بلاتوهات فاخرة يطل منها الخبراء كالآلهة على جبل الأولمب التربوي، يتحدثون بعبارات لا تفهم إلا بمترجم من كوكب آخر.

فالأزمة ليست لغزا يُحل بالتحليل، بل مرآة، يكفي أن ننظر فيها لنرى وجها شاحبا للتعليم… ووجوها كثيرة تُخفي ابتسامات مرتاحة.

الطريق إلى الفهم لا يحتاج إلى تعاويذ سحرية من زمن الفراعنة ولا إلى مسؤول يتحدث كمن يلقي الشعر على أطلال لا يراها، بل يوجد في ساحات المؤسسات التعليمية وفي محيطها. هناك، حيث التلاميذ ينتظرون الأساتذة كما ينتظر المزارع المطر الذي لا يأتي.

في تلك المؤسسات التعليمية، لا يُدرسون التاريخ لأن الماضي ما زال حاضرا،

ولا الفلسفة لأن السؤال صار خطرا على السلم الإداري.

أما الرياضيات، فقد هاجرت منذ زمن، تاركة وراءها سبورات خالية إلا من غبار الطباشير القديم.

في بعض المؤسسات، ينتظر الأساتذة الفائضون جداولهم كما ينتظر الجنود أوامر لم تصل.

المدير يسأل، فيقال له: “انتظر.”

وفي مؤسسات أخرى، يتكاثف الخصاص كما يتكاثف الغبار،

تلاميذ بلا أساتذة، ودروس تهاجر إلى أجل غير مسمى.

الخصاص هناك، والفائض هنا،

وما بين “هنا” و”هناك” يجلس المسؤول التربوي،

يحرك القطع على رقعة من وهم،

يقدم أستاذا ويؤخر آخرا،

كأن التعليم لعبة شطرنج كبرى،

لكنها تلعب برغبات صغيرة.

صغيرة كقلب مسؤول يريد ابنه أو زوجته أقرب،

أو صغيرة كعقل أناني، يبحث عن تكليف زوجته في مؤسسة لا تحتاجها،

لتلوذ بالبيت، تتصفح الموبايل، كأن العالم بأسره ملكها،

أما المتمدرسون، فمجرد مربعات يداس عليها في كل نقلة.

وكل “تكليف” جديد، ليس قرارا إداريا ولا تربويا،

بل لعبة صغيرة في يد المنتفعين.

ونزوة نقابية تتنكر في هيئة دفاع عن المنخرطين.

وهكذا يمضي الموسم الدراسي في هدنة باردة،

الفائض ينتظر دوره، والخصاص ينتظر معجزة،

والمسؤول يبتسم بثقة من ظفر بالجولة الأولى

في شطرنج لا رابح فيه سوى العبث.

أما المسؤولون السابقون، فبعضهم عاد من باب آخر، مزهوا بتجاعيد خبرته القديمة، وبعطر لا يخفي رائحة الصفقات العالقة في ذاكرة الناس. إنهم يعودون دائما في لحظات الريادة، لأنهم خبراء في الإقلاع… ثم في السقوط الحر. وحتى الفساد صار له نسب عريق، وسلالة من الأسماء التي لا تموت.

وفي الأعلى، في أبراج التدبير، يكتب المسؤولون تقارير أنيقة عن النجاح،

ينثرون الأرقام كما ينثر العطار العطور،

ثم يوقعون بأسطر ذهبية تحت عنوانٍ أبدي“من أجل تجويد المنظومة”.

كأن المنظومة قطة مدللة تحتاج إلى تمشيط يومي، لا إلى ضمير.

هم يظنون أن التعليم بيت من الإسمنت يحتاج ترميما،

بينما الحقيقة أنه كائن حي يختنق بأيديهم كل يوم.

يبنون الجدران العالية، ويتركون العقول ترقد في الظلام.

أما “العقليات”، فهي ما تزال جالسة في المقاعد الأولى،

تصفق لنفسها، وتكرم في الحفلات الوطنية.

لقد تحولت المسؤولية إلى وسام يعلق على الصدر، لا ميزان يحاسب اليد.

ومع ذلك، يستمر العرض.

يرفع الستار كل موسم دراسي على المسرحية نفسها:

وزير جديد، شعار جديد، حماس جديد، ثم سقوط قديم.

ولا أحد يتعب من التصفيق.

آه، يا وطني، كم تحب أن تزين الخراب بالابتسامة،

وأن تسمي العجز “تدبيرا”، والفشل “تجربة”، والفساد “اجتهادا”.

لقد صارت السخرية لغتنا الرسمية،

وصار الأمل معلقا في سماء لم تعد تُصدق وعودها.

لكن، لعل طفلا ما، في مكان بعيد،

يكتب الآن جملة صحيحة بلا أخطاء،

ويبتسم دون أن يدري أنه يرمم وجه الوطن بحرف صغير.

ذلك الطفل وحده هو الإصلاح الحقيقي،

أما نحن… فما زلنا ندبر الوهم بجدية مذهلة.